أبي الفرج الأصفهاني

333

الأغاني

الضحّاك ؛ فقلت : ما تقول في رجلين تشاجرا ، فضّل أحدهما أبا نواس وفضّل الآخر أبا العتاهية ؟ فقال الحسين : أمّ من فضّل أبا نواس على أبي العتاهية زانية ؛ فخجل الفتح حتى تبيّن ذلك فيه ، ثم لم يعاودني في شيء من ذكرهما حتّى افترقنا . اجتمع مع مخارق فما زال يغنيه وهو يشرب ويبكي ثم كسر الآنية وتزهد : وقد حدّثني الحسن بن محمد بهذا الخبر على خلاف ما ذكره إبراهيم بن المهديّ فيما تقدّم ، فقال : حدّثني هارون بن مخارق قال حدّثني أبي قال : جاءني أبو العتاهية فقال : قد عزمت على أن أتزوّد منك يوما تهبه لي ، فمتى تنشط ؟ فقلت : متى شئت . فقال : أخاف أن تقطع بي . فقلت : واللَّه لا فعلت وإن طلبني الخليفة . فقال : يكون ذلك في غد . فقلت : أفعل . فلمّا كان من غد باكرني رسوله فجئته ، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف ، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ [ 1 ] وخلّ وبقل [ 2 ] وملح وجدي مشويّ فأكلنا منه ، ثم دعا بسمك مشويّ فأصبنا منه حتى اكتفينا ، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا ، وجاؤونا بفاكهة وريحان وألوان / من الأنبذة ، فقال : اختر ما يصلح لك منّها ؛ فاخترت وشربت ؛ وصبّ قدحا ثم قال : غنّني في قولي : أحمد قال لي ولم يدر ما بي أتحبّ الغداة عتبة حقّا فغنّيته ، فشرب قدحا وهو يبكي أحرّ بكاء . ثم قال : غنّني في قولي : ليس لمن ليست له حيلة موجودة خير من الصّبر فغنّيته وهو يبكي وينشج [ 3 ] ، ثم شرب قدحا آخر ثم قال : غنّني ، فديتك ، في قولي : خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي تكون مع الأقدار ختما من الحتم فغنّيته إيّاه . وما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه ويشرب ويبكي حتى صار العتمة . فقال : أحبّ أن تصبر حتّى ترى ما أصنع فجلست . فأمر ابنه وغلامه فكسرا كلّ ما بين أيدينا من النبيذ / وآلته والملاهي ، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النّبيذ وآلته ، فأخرج جميعه ، فما زال يكسره ويصبّ النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ذلك شيء ، ثم نزع ثيابه واغتسل ، ثم لبس ثيابا بيضا من صوف ، ثم عانقني وبكى ، ثم قال : السلام عليك يا حبيبي وفرحي من الناس كلَّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده ؛ وجعل يبكي ، وقال : هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا ؛ فظننت أنّها بعض حماقاته ، فانصرفت ، وما لقيته زمانا . ثم تشوّقته [ 4 ] فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت ، فإذا هو قد أخذ قوصرتين [ 5 ] وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص ، وثقب الأخرى [ 6 ] وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السّراويل . فلمّا رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه والوحشة

--> [ 1 ] السميذ : الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق . [ 2 ] كذا في الأصول . ويحتمل أيضا أن يكون « نقل » إذ هو المناسب للمقام . [ 3 ] نشج الباكي : غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب . [ 4 ] في « معاجم اللغة » التي بين أيدينا أن « تشوّق » يتعدّى بالحرف . فلعل ما هاهنا من باب الحذف والإيصال ، والأصل : « تشوّقت إليه » . [ 5 ] القوصرة ( بتشديد الراء وتخفيفها ) : وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري . [ 6 ] في الأصول : « أخرى » .